أبي منصور الماتريدي
461
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
بينهما ، وما قال : وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا . . . الآية [ ص : 27 ] لم يكن ظنهم أنه خلقهما باطلا ؛ ولكن لما أنكروا البعث صار في ظنهم خلقهما باطلا . وقوله - عزّ وجل - : وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ . قال بعضهم « 1 » : فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ : [ أي : أعرض عنهم ] « 2 » ، ولا تكافئهم بما آذوك بألسنتهم وفعلهم وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فإني « 3 » أكافئهم عنك على أذاهم إياك وصنيعهم يومئذ . والصفح الجميل : هو ما لا نقض « 4 » فيه ولا منّة في العرف ؛ أي : اصفح الصفح ما يوصف فيه بتمام الأخلاق ، وما لا نقض فيه ولا منّة يحتمل الصفح الجميل : هو أن يصفح ولا يمنّ عليهم ، كأنه أمره أن يصفح صفحا لا منّة فيه . وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فتجزى أنت على صفحك الجميل ؛ وهم على أذاك . والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ . هذا يحتمل وجهين : أحدهما : أنه على علم بما يكون منهم من المعصية والخلاف خلقهم ، لا خلقهم عن غفلة وجهل بذلك ؛ ليعلم أنه لم يخلق الخلق لحاجة نفسه ولا لمنفعة نفسه ، ولكن خلقهم ليمتحنهم بما أمرهم به ونهاهم ، ولما يرجع إلى منافعهم وحوائجهم . والثاني : إن ربك هو الخلاق لخلقه ؛ العليم بمصالحهم بأن الصفح الجميل لهم ، ذلك أصلح في دينهم من المكافأة . والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ . اختلف في قوله : سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي : قال بعضهم « 5 » : سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي : المثاني : هو القرآن كله ؛ كقوله تعالى : اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ [ الزمر : 23 ] . وقيل : سمي مثانيا لترديد الأمثال فيه والعبر والأنباء ؛ فإن كان على هذا فيكون قوله : سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي : أي : سبعا من القرآن العظيم .
--> ( 1 ) قاله ابن جرير ( 7 / 532 ) ، والبغوي ( 3 / 56 ) . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) في أ : فإذا . ( 4 ) في أ : نقص . ( 5 ) قاله أبو مالك ، أخرجه ابن أبي شيبة وابن جرير ( 21345 ، 21347 ) وابن المنذر ، كما في الدر المنثور ( 4 / 197 ) .